مواطن الروح
بقلم الكاتبه/دينا خميس صفار
أجمل العلاقات الإنسانية ليست تلك التي يُمضي فيها الإنسان عمره يثبت أنه يستحق البقاء
ولا تلك التي يستهلك فيها روحه وهو يبرر وجوده أو يبحث عن اعتراف الآخرين بقيمته
فالقيمة الحقيقية لا تُمنح من الخارج، والمحبة الصادقة لا تُنتزع انتزاعًا
بل تُمنح في رحابة القلوب كما يُمنح الضوء للنافذة المفتوحة
------------------------------------------
------------------------------------------
إن أكثر ما يُتعب الإنسان ليس الغياب في حد ذاته، بل الشعور الدائم بأنه مطالب بإثبات أحقيته بالمكان
أن يعيش وكأنه في اختبار لا ينتهي
يراقب الكلمات، ويفسر الإشارات
ويبحث في التفاصيل الصغيرة عن دليل يطمئن به قلبه أنه ما زال مقبولًا
وما أقسى أن يتحول الوجود الإنساني من حالة طبيعية إلى معركة مستمرة من أجل الاعتراف
-----------------------------------------
-----------------------------------------
العلاقات الناضجة لا تُبنى على الإلحاح
ولا تنمو تحت وطأة الخوف أو الشعور بالالتزام القسري
إنها أشبه بالأرض الخصبة التي تحتضن البذور دون ضجيج، فتخرج منها الحياة تلقائيًا
لا يحتاج الإنسان فيها إلى أن يسأل كل يوم عن مكانته، لأن المكانة تظهر في الحضور، وفي الاهتمام وفي الطمأنينة التي لا تحتاج إلى شرح
هناك فرق عميق بين أن يبقى الناس حولك لأنهم مضطرون إليك
وبين أن يبقوا لأنهم اختاروك بحرية ووعي. فالاختيار أرقى من الحاجة
والوفاء أسمى من التعلق والقرب الذي يولد من المحبة الخالصة أصدق من القرب الذي تصنعه المصالح أو المخاوف
------------------------------------------
-----------------------------------------
وحين يعتاد الإنسان أن يفرض نفسه على الآخرين فإنه يخسر شيئًا من سلامه في كل مرة
وحين يطارد القبول باستمرار
يبتعد تدريجيًا عن ذاته
لذلك ليست الحكمة في التمسك بكل علاقة، بل في إدراك أن بعض الأبواب لم تُخلق لنا
وأن بعض المسافات رحمة
وأن بعض النهايات تحفظ ما تبقى من كرامة القلب.
العلاقات الحقيقية لا تشعرك أنك عبء ولا أنك احتمال مؤقت، ولا أنك شخص يمكن الاستغناء عنه عند أول منعطف. إنها تمنحك ذلك الإحساس النادر بالأمان؛ أن تكون كما أنت دون خوف من الرفض
وأن تُرى بعيوبك ومحاسنك معًا دون أن تضطر إلى ارتداء الأقنعة أو تجميل حقيقتك
--------------------------------------------
--------------------------------------------
فالإنسان لا يحتاج في حياته إلى كثرة الوجوه بقدر حاجته إلى صدق القلوب ولا تُقاس ثروته بعدد من يعرفهم، بل بعدد من يجد عندهم مساحة آمنة لروحه فكم من علاقات كثيرة أورثت الوحدة
وكم من قلب صادق واحد منح شعورًا بالانتماء لا تمنحه الجموع
وفي النهاية، ليست العلاقات الحقيقية ساحات لإثبات الاستحقاق
بل أوطان صغيرة تستريح فيها الأرواح من عناء العالم. فلا تفرض حضورك على أحد، ولا تجعل كرامتك ثمنًا لقبول مؤقت
امنح ودك بصدق
واترك للقلوب حرية الاختيار. فمن أراد قربك سيعبر إليك المسافات دون أن تدعوه، ومن لم يردك لن تصنع ألف محاولة ما لم يصنعه قلبه
-----------------------------------------
----------------------------------------
فالمحبة في معناها الأوسع ليست طلبًا مستمرًا للاعتراف، بل سكينة متبادلة
هي أن يجد كل إنسان في الآخر مساحة يتنفس فيها دون خوف
ويستريح فيها دون تبرير
ويشعر فيها أن وجوده ليس موضع اختبار
بل موضع ترحيب وامتنان
بقلم الكاتبه
تعليقات
إرسال تعليق