قد يكون اكتر ما احزنك هو اكتر ما انقذك
من أصعب الدروس التي يتعلمها الإنسان أن رحمة الله لا تأتي دائمًا في الصورة التي يتمناها، وأن الحماية ليست دائمًا بابًا مفتوحًا
ولا طريقًا ممهدًا
ولا أمنيةً تتحقق في موعدها.
أحيانًا تكون الحماية بابًا يُغلق في وجهك
ورسالةً لا تصل
ووظيفةً لا تُقبل فيها وعلاقةً تنتهي رغم كل ما بذلته لتبقيها، وسفينةً كنت تظن أنها ستوصلك إلى شاطئ الأمان، فإذا بها تغرق قبل أن تُبحر
------------------------------------------
-----------------------------------------
قد يكون اكتر ما احزنك هو اكتر ما انقذك
يحميك الله بطرقٍ لا تفهمها
في اللحظة نفسها يبدو كل شيء قاسيًا، بل قد تشعر أن الحياة تسلبك ما تحب
وأن الله يمنع عنك ما كنت تراه خيرًا. لكن المشكلة ليست دائمًا في أقدار الله
وإنما في ضيق زاوية الرؤية التي ننظر منها
نحن نحكم على الأشياء من لحظةٍ واحدة، بينما الله يعلم القصة كلها.
كم من طريقٍ تمنيناه
ولو سلكناه لكان هلاكًا لنا
وكم من شخصٍ تعلقنا به
ولو بقي في حياتنا لأفسد قلوبنا أو ديننا أو سلامنا النفسي. وكم من نجاحٍ سعينا إليه بكل قوانا، ولو تحقق في وقته لأورثنا غرورًا
أو استنزف أعمارنا فيما لا ينفع.
----------------------------------------------
-------------------------------------------
لهذا كان لطف الله الخفي أعظم من اللطف الذي نراه.
ليس كل ما يُؤخذ منك خسارة، فبعض الأشياء تُنتزع من حياتك لأنها ستنتزع منك نفسك لو بقيت.
الله لا ينظر إلى رغبتك الآنية فقط، بل ينظر إلى مستقبلك، وإلى قلبك
وإلى إيمانك
وإلى الطريق الذي ستسير فيه بعد سنوات
فيصرف عنك ما تحبه اليوم
لأنه يعلم ما سيصنعه بك غدًا
-----------------------------------------
-----------------------------------------
وهذا هو الفرق بين اختيار الإنسان واختيار الله
الإنسان يختار بما يرى
والله يختار بما يعلم
ولذلك فإن كثيرًا من أقدار الله لا تُفهم إلا بعد مرور الزمن. فهناك أحداثٌ لم نفهمها إلا بعد سنوات
ثم اكتشفنا أن أعظم النعم لم تكن فيما أعطانا الله بل فيما منعنا عنه
كم مرةٍ قلنا بعد زمن
الحمد لله أن الأمر لم يحدث
الحقيقة أن الإنسان لا يتألم فقط لأن شيئًا فاته، بل لأنه رسم في داخله مستقبلًا كاملًا
ثم انهارت صورته فجأة
فيبكي على الأحلام أكثر مما يبكي على الواقع
------------------------------------------
------------------------------------------
لكن الله برحمته
لا يترك عبده أسيرًا لصورةٍ قد تضره
بل يهدمها ليبني له ما هو أصلح
وإن كان البناء يسبقه شيءٌ من الألم
وليس كل وجعٍ عقوبة
وليس كل كسرٍ علامة غضب
بل قد يكون الألم أحيانًا مدرسةً يعيد الله بها ترتيب القلب
فالقلب الممتلئ بالاعتماد على الناس قد يحتاج أن يتعلم الاعتماد على الله
والقلب الذي ظن أن سعادته معلقة بشخص، أو بمنصب
أو بحلم، قد يحتاج أن يكتشف أن الطمأنينة لا تُستمد من المخلوق
بل من الخالق
-----------------------------------------------
--------------------------------------------
قد يكون اكتر ما احزنك هو اكتر ما انقذك
ولهذا كان الابتلاء
في كثير من الأحيان
ليس حرمانًا من النعم
بل تحريرًا للقلب من التعلق بها
إن أصعب أنواع الرحمة هي الرحمة التي لا تُدركها إلا بعد أن تنتهي
هي تلك التي أبكتك يومًا
ثم شكرت الله عليها عمرًا
ولعل أجمل ما يطمئن به المؤمن أنه لا يعيش في كونٍ تحكمه المصادفات، وإنما في تدبير إلهٍ لا يخطي ورحمةٍ لا تنقطع
وحكمةٍ قد تخفى لكنها لا تغيب.
فإذا أغلق الله بابًا فلا تنشغل كثيرًا بالباب المغلق، بل ثق أن الذي أغلقه هو نفسه الذي يعلم أين يوجد الباب الذي يليق بك
----------------------------------------------------------------------------------------------
وإذا تأخر عنك ما تحب، فلا تجعل التأخير دليلًا على الحرمان، فقد يكون الله يُعدّ لك وقتًا أنسب
أو قلبًا أكثر نضجًا
أو خيرًا أعظم مما كنت تتصور.
إن الإيمان الحقيقي لا يعني أن نفهم كل ما يقدره الله بل أن نطمئن إلى أن من قدّر هو أرحم بنا من أنفسنا وأن رحمته قد تأتي في صورة منع
كما تأتي في صورة عطاء
فإذا ضاقت بك الأيام
ولم تفهم لماذا حدث ما حدث
فقل بقلبٍ مطمئن
يا رب
قد لا أفهم حكمتك الآن
لكني أثق برحمتك دائمًا
وأعلم أن اختيارك لي خيرٌ من اختياري لنفسي
وإذا كان هناك ما يخفف عن القلب قلق المستقبل، فهو أن تُعوِّده على الاستخارة في كل أمرٍ يشغله
صغيرًا كان أو كبيرًا
-------------------------------------------------------------------------------------------------
فالاستخارة ليست مجرد صلاةٍ تُؤدى، بل إعلانٌ صادق بأنك تُسلِّم اختيارك لمن يعلم ولا تعلم
ويقدر ولا تقدر، ويرى من الغيب ما لا تراه.
استخِر الله قبل قراراتك، وقبل علاقاتك، وقبل خطواتك، وقبل أحلامك. فإن يسَّر لك الأمر فاحمده، وإن صرفه عنك فارضَ به
ففي كلا الحالين أنت في خير
لأنك لم تترك مستقبلك لهواك، بل أودعته عند من لا يضيع عنده شيء.
ومن ذاق حقيقة الاستخارة
أدرك أن راحة القلب ليست في أن يعرف ما يخبئه الغد، وإنما في أن يثق بمن بيده الغد كله
بقلم الكاتبه
تعليقات
إرسال تعليق